فصل: 2181- باب فَضْل أَزْوَاجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


2180- باب فَضْلُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا

هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية، كانت تحت أبي هالة بن زرارة ثم تزوجها عتيق بن عائذ ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ولها يومئذ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى‏.‏ وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون سنة ولم ينكح صلى الله عليه وسلم قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت، وهي أول من آمن من كافة الناس ذكرهم وأنثاهم، وجميع أولاده منها غير إبراهيم فإنه من مارية، وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بأربع سنين، وقيل بثلاث، وكان قد مضى من النبوة عشر سنين، وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة ودفنت بالحجون

4051- حَدّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ، أَخبرنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قالَتْ‏:‏ ‏"‏مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا بِي أَنْ أَكُونَ أَدْرَكْتُهَا، وَمَا ذَاكَ إِلاّ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشّاةَ فَيَتَتَبّعُ بِهَا صَدائقَ خَدِيجَةَ فَيُهْدِيهَا لَهُنّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ‏.‏

4052- حَدّثَنَا الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، أَخبرنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى، عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قالَتْ‏:‏ ‏"‏مَا حَسَدْتُ أحداً مَا حَسَدْتُ خَدِيجَةَ، وَمَا تَزَوّجَنِي رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاّ بَعْدَ مَا مَاتَتْ، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللّفهِ صلى الله عليه وسلم بَشّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ من قصب قال‏:‏ إنما يعني به قصب اللؤلؤ‏.‏

4053- حَدّثَنَا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ، أَخبرنا عَبْدَةُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ اللّهِ بنِ جَعْفَرٍ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ عَلَيّ بنَ أَبي طَالِبٍ يَقُولُ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏خَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلدٍ، وَخَيرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابنة عِمْرَانَ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن أَنَسٍ وَابنِ عَبّاسٍ وعائشة‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

4054- حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ زَنْجَوِية، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ‏:‏ مَرْيَمُ ابنة عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحمّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن عائشة قالت‏:‏ ما غرت على أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الخ‏)‏ تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب حسن العهد من أبواب البر والصلة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏ما حسدت أحداً ما حسدت خديجة‏)‏ ما الأولى نافية والثانية مصدرية أي ما حسدت مثل حسدي خديجة، والمراد من الحسد هنا الغيرة ‏(‏وما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما ماتت‏)‏ أشارت عائشة بذلك إلى أن‏:‏ خديجة لو كانت حية في زمانها لكانت غيرتها منها أشد وأكثر ‏(‏وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرها الخ‏)‏ كان لغيرة عائشة على خديجة أمران الأول كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها كما في الحديث السابق‏.‏ والثانية هذه البشارة لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي صلى الله عليه وسلم فيها ‏(‏ببيت من قصب‏)‏ بفتح القاف والمهملة بعدها موحدة، قال في النهاية القصب في هذا الحديث لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف‏.‏ والقصب من الجوهر‏:‏ ما استطال منه في تجويف ‏(‏لا صخب فيه ولا نصب‏)‏ الصخب بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب بفتح النون والصاد المهملة بعدها موحدة التعب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبدة‏)‏ هو ابن سليمان الكلابي ‏(‏عن عبد الله بن جعفر‏)‏ بن أبي طالب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خير نسائها خديجة بنت خويلد وخير نسائها مريم بنت عمران‏)‏ قال القرطبي‏:‏ الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني به الدنيا‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ الضمير الأول يعود على هذه الأمة، الثاني على الأمة التي كانت فيها مريم ولهذا كرر الكلام تنبيهاً على أن حكم كل واحدة منهما غير حكم الأخرى وكلا الفصلين كلام مستأنف، ووقع في رواية مسلم عن وكيع عن هشام في هذا الحديث‏:‏ وأشار وكيع إلى السماء والأرض فكأنه أراد أن يبين أن المراد نساء الدنيا وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا وبهذا جزم القرطبي أيضاً‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه‏:‏ ‏"‏كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية‏"‏‏.‏ فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لاَسية كما أثبته لمريم فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق‏.‏ وجاء ما يفسر المراد صريحاً فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه‏:‏ ‏"‏لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين‏"‏، وهو حديث حسن الإسناد انتهى‏.‏ وقال النووي‏:‏ الأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أنس وابن عباس‏)‏ أما حديث أنس فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث ابن عباس فأخرجه النسائي بإسناد صحيح والحاكم عنه مرفوعاً‏:‏ ‏"‏أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو بكر بن زنجوية‏)‏ هو محمد بن عبد الملك بن زنجوية البغدادي الغزال، ثقة من الحادية عشرة‏.‏

وله‏:‏ ‏(‏حسبك‏)‏ أي يكفيك ‏(‏من نساء العالمين‏)‏ أي الواصلة إلى مراتب الكاملين في الاقتداء بهن وذكر محاسنهن ومناقبهن وزهدهن في الدنيا وإقبالهن على العقبى‏.‏ قال الطيبي‏:‏ حسبك مبتدأ ومن نساء متعلق به ومريم خبره والخطاب إما عام أو لأنس أي كافيك معرفتك فضلهن عن معرفة سائر النساء‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال السبكي الكبير الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع به‏.‏ وقال ابن تيمية‏:‏ جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم‏:‏ إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخوتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها‏.‏

قال الحافظ‏:‏ امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام‏.‏ فلها مثل أجر من جاء بعدها ولا يقدر قدر ذلك إلا الله، وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة انتهى‏.‏ وقال القاري في المرقاة‏:‏ قال السيوطي في النقاية نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة‏.‏ وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها التوقف‏.‏ قال القاري‏:‏ التوقف في حق الكل أولى، إذ ليس في المسألة دليل قطعي والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنية على اليقينيات انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد وابن حبان والحاكم في مستدركه‏.‏

2181- باب فَضْل أَزْوَاجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم

4055- حَدّثَنَا عَبّاسُ العَنْبَرِيّ، أَخبرنا يَحْيـى بنُ كَثِيرٍ العَنْبَرِيّ أَبُو غُسّانَ، أَخبرنا مسَلْمُ بنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ ثِقَةً، عن الْحَكَمِ بنِ أَبَانَ، عن عِكْرِمَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏قِيلَ لابنِ عَبّاسٍ بَعْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ مَاَتَتْ فُلاَنَةُ- لِبَعْضِ أَزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم- فَسَجَدَ، فَقِيلَ لَهُ أَتَسْجُدُ هَذِه السّاعَةَ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ أَلَيْسَ قَالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا رَأَيتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا‏؟‏ فَأَيّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

4056- حَدّثَنَا محمد بن بشار، أَخبرنا عَبْدُ الصّمدِ، بن عبد الوارث، أَخبرنا هَاشِمُ هوبنُ سَعِيد الكُوفِيّ، حدثنا كِنَانَةُ، قال حَدّثَتْنَا صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَـيّ قَالَتْ‏:‏ ‏"‏دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ بَلَغَنِي عن حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ كَلاَمٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ‏:‏ أَلاَ قُلْتِ وَكَيْفَ تَكُونَانِ خَيْراً مِنّي‏؟‏ وَزَوْجِي مُحمّدٌ وَأَبي هَارُون، وَعَمّي مُوسَى، وَكان الّذِي بَلَغَها أَنّهُمْ قالُوا‏:‏ نَحْنُ أَكْرَمُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، وَقَالُوا‏:‏ نَحْنُ أَزْوَاجُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَبَنَاتُ عَمّهِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أَنَسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ هَاشِمٍ الكُوفِيّ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ القوى‏.‏

4057- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُحمّدُ بن خَالِدِ بنِ عَثمَةَ، حدثني مُوسَى بنُ يَعْقُوبَ الزّمْعِيّ، عن هَاشِمِ بنِ هَاشِمٍ، أَنّ عَبْدَ اللّهِ بنَ وَهْبِ بن زمعة أَخْبَرَهُ أَنّ أُمّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ، فَنَاجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمّ حَدّثَهَا فَضَحِكَتْ، قَالَتْ‏:‏ فَلَمّا تُوُفّيَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهَا عن بُكَائِها وَضَحِكِهَا، قَالَتْ‏:‏ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ يَمُوتُ فَبَكَيْتُ، ثُمّ أَخْبَرَنِي أَنّي سَيّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ إلاّ مَرْيمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

4058- حَدّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، قَالاَ‏:‏ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏بَلَغَ صَفِيّةَ أَنّ حَفْصَةَ قَالَتْ بِنْت يَهُودِيّ، فَبَكَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ تَبْكي، فَقَالَ‏:‏ مَا يُبْكِيكِ‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ قَالَتْ لِي حَفْصَةُ إنّي بِنْت يَهُودِيّ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ وَإنّكِ لابْنَةُ نَبِيّ، وَإنّ عَمّكِ لنبيّ، وَإنّكِ لَتَحْتَ نَبِيّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ‏؟‏ ثُمّ قَالَ‏:‏ اتّقِي اللّهَ يَا حَفْصَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

4059- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ يَحْيَـى، حدثنا مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ، حدثنا سُفْيَانُ عن هِشَامِ بنِ دعُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ قالَ رسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لاِهلِي، وَإذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ من حديث الثوري ما أقل من رواه عن الثوري‏.‏ وَرُوِيَ هَذَا عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أَبِيهِ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً‏.‏

4060- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ يَحْيَـى، حدثنا مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ عن إِسْرَائِيلَ عن الْوَلِيدِ عن زَيْدِ بنِ زَائدَةَ عن عَبْدِ اللّهِ بنِ مَسْعُودٍ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاَ يُبَلّغُنِي أَحَدٌ عن أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئاً فَإِنّي أُحِبّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصّدْرِ، قالَ عَبْدُ اللّهِ‏:‏ فَأُتِيَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَالٍ فَقَسمَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَانْتَهَيْتُ إِلَى رَجُلَيْنٍ جَالِسَيْنِ وَهُمَا يَقُولاَنِ‏:‏ وَاللّهِ مَا أَرَادَ مُحمّدٌ بِقِسْمَتِهِ الّتِي قَسَمَهَا وَجْهَ اللّهِ، وَلاَ الدّارَ الاَخِرَةَ، فَتَثَبّتّ حِينَ سَمِعْتُهَما فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ فَاحْمَرّ وَجْهُهُ، وَقَالَ‏:‏ دَعْنِي عَنْكَ، فَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وقد زيدَ في هَذَا الإِسْنَادِ رَجُلٌ‏.‏

4061- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخبرنا عَبْدُ اللّهِ بنِ مُحمّدٍ، أَخبرنا عُبَيْدُ اللّهِ بنِ مُوسَى والْحُسَيْنُ بنُ مُحمّدٍ عن إِسْرَائِيلَ عن السّدّيّ عن الْوَلِيدِ بنِ أَبي هِشَامٍ، عن زَيْدِ بنِ زَائِدَةَ عن عبد اللّه بنِ مَسْعُودٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يبلغني أحدٌ عن أحدٍ شيئاً‏"‏‏.‏

وقد رُوي هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم شَيْئاً مِنْ هَذَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا سلم بن جعفر‏)‏ البكراوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ماتت فلانة‏)‏ أي صفة وقيل حفصة ‏(‏قيل له أتسجد هذه الساعة‏)‏ في تهذيب الكمال عن عكرمة قال‏:‏ توفيت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال إسحاق بن راهويه أظنه سماها صفية بنت حيي بالمدينة فأتيت ابن عباس فأخبرته فسجد فقلت له أتسجد ولما تطلع الشمس‏؟‏ فقال ابن عباس لا أم لك أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا رأيتم الاَية الخ ‏(‏إذا رأيتم آية‏)‏ أي علامة مخوفة‏.‏ قال الطيبي‏:‏ قالوا المراد بها العلامات المنذرة بنزول البلايا والمحن التي يخوف الله بها عباده، ووفاة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الاَيات لأنهن ضممن إلى شرف الزوجية شرف الصحبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنا أمنة أصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة أهل الأرض‏"‏ الحديث‏.‏ فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن فكانت وفاتهن سالبة للأمنة وزوال الأمنة موجب للخوف ‏(‏فاسجدوا‏)‏ قال الطيبي‏:‏ هذا مطلق، فإن أريد بالاَية خسوف الشمس والقمر فالمراد بالسجود الصلاة وإن كانت غيرها لمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما فالسجود هو المتعارف ويجوز الحمل على الصلاة أيضاً لما ورد‏.‏ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة انتهى ‏(‏فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ لأنهن ذوات البركة فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس ويخاف العذاب بذهابهن فينبغي الالتجاء إلى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن ليندفع العذاب ببركة الذكر والصلاة قاله القاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود‏.‏ وقال المنذري في تلخيص السنن‏:‏ في إسناده سلم بن جعفر‏.‏ قال يحيى بن كثير العنبري كان ثقة، وقال الموصلي‏:‏ متروك الحديث لا يحتج به وذكر هذا الحديث انتهى‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبد الصمد‏)‏ بن عبد الوارث ‏(‏حدثتنا صفية بنت حيي‏)‏ بضم الحاء المهملة وفتح التحتية الأولى وتشديد الأخرى ابن أخطب من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق قتل يوم خيبر في محرم سنة سبع ووقعت في السبي فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي فاشتراها منه بسبعة أرؤس فأسلمت فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، ماتت سنة خمسين ودفنت بالبقيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد بلغني‏)‏ الواو للحال ‏(‏فذكرت ذلك‏)‏ أي الكلام الذي بلغني عنهما ‏(‏قال‏)‏ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطباً لصفية ‏(‏ألا‏)‏ حرف التحضيض ‏(‏وكيف تكونان خيراً مني‏)‏ الواو للعطف على مقدر، أي هما تزعمان أنهما خير مني وكيف تكونان الخ ‏(‏وزوجي محمد‏)‏ صلى الله عليه وسلم والواو للحال ‏(‏وأبي هارون‏)‏ أي ابن عمران وكانت صفية من أولاد هارون عليه السلام ‏(‏وعمي موسى‏)‏ أي ابن عمران وكان هارون أخا موسى لأبيه وأمه‏.‏

فإن قلت‏:‏ أليست حفصة ابنة نبي وهو إسماعيل عليه السلام لأنها قرشية وعمها نبي وهو إسحاق عليه السلام وتحت نبي وهو النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قلت‏:‏ هذه الصفات مشتركة بين نسائه صلى الله عليه وسلم اللاتي من قريش وصفية أيضاً مشاركة لهن لأن موسى وهارون من أولاد يعقوب بن إسحاق عليهم السلام والمقصود دفع المنقصة بأنها أيضاً تجمع صفات الفضل والكرم ‏(‏ثم قالوا‏)‏ الظاهر أن يكون أنهن قلن، فتذكير الضمير باعتبار أنهن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أنس‏)‏ أخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه ابن عدي في الكامل ‏(‏لا نعرفه إلا من حديث هاشم الكوفي وليس إسناده بذاك‏)‏ أي ليس بالقوي لضعف هاشم هذا‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسحاق بن منصور‏)‏ هو الكوسج ‏(‏أن حفصة قالت‏)‏ أي في حق صفية ‏(‏بنت يهودي‏)‏ أي نظر إلى أبيها ‏(‏قالت‏)‏ أي صفية ‏(‏قالت لي حفصة‏)‏ أي في حقي ‏(‏وإنك لابنة نبي‏)‏ أي هارون بن عمران عليه السلام ‏(‏وإن عمك لنبي‏)‏ أي موسى بن عمران عليه السلام ‏(‏وإنك لتحت نبي‏)‏ أي الاَن ‏(‏ففيم تفخر عليك‏)‏ بفتح الخاء أي في أي شيء تفخر حفصة عليك ‏(‏ثم قال اتقي الله‏)‏ أي مخالفته أو عقابه بترك مثل هذا الكلام الذي هو من عادات الجاهلية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه النسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن هاشم بن هاشم‏)‏ بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المدني ويقال هاشم بن هاشم وثقه ابن معين والنسائي ‏(‏أن عبد الله بن وهب‏)‏ بن زمعة بن الأسود بن المطلب الأسدي الأصغر، كان عريف قومه بني أسد وقتل أخوه عبد الله الأكبر يوم الدار وهو ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏دعا فاطمة عام الفتح‏)‏ قال القاري‏:‏ الظاهر أن هذا وهم إذ لم يثبت عند أرباب السير وقوع هذه القضية عام الفتح بل كان هذا في عام حجة الوداع أو حال مرض موته عليه السلام انتهى‏.‏

قلت‏:‏ حديث عائشة المتقدم في فضل فاطمة صريح في أنه كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم ‏(‏فناجاها‏)‏ أي كلمها بالسر ‏(‏ثم حدثها‏)‏ أي خفية أيضاً ‏(‏عن بكائها وضحكها‏)‏ أي عن سببهما ‏(‏أنه يموت‏)‏ أي قريباً ‏(‏ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران‏)‏ الاستثناء يحتمل التساوي ويحتمل العكس في الفضل، وقيل لعله ورد قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم بفضل فاطمة على نساء العالمين كذا في اللمعات ‏(‏فضحكت‏)‏ قد سبق في فضل فاطمة في حديث عائشة، ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقاً به‏.‏ فذاك حين ضحكت فلعله صلى الله عليه وسلم أخبرها عن الأمرين جميعاً والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه النسائي في خصائص علي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن يحيى‏)‏ هو الإمام الذهلي ‏(‏أخبرنا محمد بن يوسف‏)‏ الضبي الفريابي ‏(‏أخبرنا سفيان‏)‏ الثوري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خيركم خيركم لأهله‏)‏ أي لعياله وذوي رحمه وقيل لأزواجه وأقاربه وذلك لدلالته على حسن الخلق ‏(‏وأنا خيركم لأهلي‏)‏ فأنا خيركم مطلقاً وكان أحسن الناس عشرة لهم وكان على خلق عظيم ‏(‏وإذا مات صاحبكم‏)‏ أي واحد منكم ومن جملة أهاليكم ‏(‏فدعوه‏)‏ أي اتركوا ذكر مساويه فإن تركه من محاسن الأخلاق، دلهم صلى الله عليه وسلم على المجاملة وحسن المعاملة مع الأحياء والأموات، ويؤيده حديث‏:‏ ‏"‏اذكروا أمواتكم بالخير‏"‏، وقيل إذا مات فاتركوا محبته والبكاء عليه والتعلق به‏.‏ والأحسن أن يقال فاتركوه إلى رحمة الله تعالى فإن ما عند الله خير للأبرار‏.‏ والخير أجمع فيما اختار خالقه، وقيل أراد به نفسه أي دعوا التحسر والتلهف عليّ فإن فيّ لله خلفاً عن كل فائت، وقيل معناه‏:‏ إذا مت فدعوني ولا تؤذوني وأهل بيتي وصحابتي وأتباع ملتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الدارمي وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس إلى قوله لأهلي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن الوليد‏)‏ بن هشام، ويقال ابن أبي هشام الكوفي، مولى همدان مستور ‏(‏عن زيد بن زائدة‏)‏ ويقال ابن زائد بغير هاء، مقبول من الثانية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يبلغني‏)‏ بتشديد اللام ويخفف وهو نفي بمعنى النهي، أي لا يوصلني ‏(‏من أحد‏)‏ أي من قبل أحد ‏(‏شيئاً‏)‏ أي مما أكرهه وأغضب عليه وهو عام في الأفعال والأقوال بأن شتم أحداً وآذاه قال فيه خصلة سوء ‏(‏فإني أحب أن أخرج إليهم‏)‏ أي من البيت وألاقيهم ‏(‏وأنا سليم الصدر‏)‏ أي من مساويهم جملة حالية‏.‏ قال ابن الملك‏:‏ والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم‏.‏ وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية ‏(‏فأتى‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏بمال‏)‏ الباء للتعدية ‏(‏ما أراد محمد بقسمته التي قسمها وجه الله ولا الدار الاَخرة‏)‏ أي أنه لم يعدل في هذه القسمة ‏(‏فنثيت‏)‏ يقال نثيت الخبر ونثوته إذا حدثت به وأشعته ‏(‏حين سمعتها‏)‏ أي حين سمعت مقولتهما ‏(‏دعني عنك‏)‏ أي اتركني عنك ولا تتعرض عندي لمثل هذا‏.‏ وفي الحديث جواز المفاضلة في القسمة والإعراض عن الجاهل والصفح عن الأذى والتأسي بمن مضى من النظراء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود إلى قوله‏:‏ فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر‏.‏ وقال المنذري في إسناده‏:‏ الوليد بن أبي هشام قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور انتهى، وأما باقي الحديث فأخرج نحوه الشيخان ‏(‏وقد زيد في هذا الإسناد رجل‏)‏ وهو السدي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا محمد بن إسماعيل‏)‏ هو الإمام البخاري ‏(‏أخبرنا عبد الله بن محمد‏)‏ بن عبد الله بن جعفر الجعفي أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي، ثقة حافظ جمع المسند من العاشرة ‏(‏حدثنا عبيد الله بن موسى‏)‏ العبسي الكوفي ‏(‏والحسين بن محمد‏)‏ بن بهرام التميمي ‏(‏عن إسرائيل‏)‏ بن يونس الكوفي ‏(‏عن السدي‏)‏ هو إسماعيل بن عبد الرحمن ‏(‏شيئاً من هذا‏)‏ أي مختصراً ‏(‏من غير الوجه‏)‏ كذا في النسخ الحاضرة‏.‏ والظاهر أنه غلط والصواب غريب من هذا الوجه‏.‏ يدل على ذلك كلام الحافظ ابن كثير فإنه قال في تفسيره بعد نقل حديث عبد الله بن مسعود هذا عن سنن أبي داود ما لفظه‏:‏ كذا رواه الترمذي في المناقب عن الذهلي سواء إلا أنه قال زيد بن زائدة ورواه أيضاً عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن محمد عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل عن السدي عن الوليد بن أبي هشام به مختصراً أيضاً فزاد في إسناده السدي ثم قال غريب من هذا الوجه انتهى‏.‏

2182- باب من فَضْل أُبِيّ بنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْه

هو أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أقرأ الصحابة لكتاب الله تعالى‏.‏ كناه النبي صلى الله عليه وسلم أبا المنذر وعمر أبا الطفيل‏.‏ وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنصار وعمر سيد المسلمين، مات بالمدينة سنة تسع عشرة

4062- حَدّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أَخبرنا أَبُو دَاودَ، أَخبرنا شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ، قالَ‏:‏ سَمِعْتُ زِرّ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدّثُ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ‏:‏ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ ‏"‏إِنّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ اقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ‏{‏لَمْ يَكُنْ الّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ وَقَرَأَ فِيهَا‏:‏ إِنّ ذاتَ الدّينِ عِنْدَ اللّهِ الْحَنِيفِيّةُ المُسْلِمَةُ لاَ اليَهُودِيّةُ، وَلاَ النّصْرَانِيّةُ، وَلاَ المَجُوسِيّةُ، مَنْ يَعْمَلْ خَيْراً فَلَنْ يُكْفَرَهُ‏.‏ وَقَرَأَ عَلَيْهِ‏:‏ لَوْ أَنّ لابنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِياً، وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَانِياً لابْتَغَى إِلَيْهِ ثَالِثاً، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابنِ آدَمَ إِلاّ التُرَابٌ، وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَنْ تَابَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غير هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ رواه عَبْدُ اللّهِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبْزَى عن أَبِيهِ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ له لأبي بن كعب رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏إِنّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏"‏ وَقَدْ رواه قَتَادَةُ عن أَنَسٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأُبَيَ بن كعب ‏"‏إِنّ اللّهَ تَعَالَى أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏"‏‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو داود‏)‏ هو الطيالسي ‏(‏عن عاصم‏)‏ بن بهدلة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الدين عند الله الحنيفية‏)‏ أي الشريعة المائلة عن كل دين باطل فهي حنيفية في التوحيد، وأصل الحنف الميل، والحنيف المائل إلى الإسلام الثابت عليه‏.‏ والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام ‏(‏المسلمة‏)‏ أي المنسوبة إلى الإسلام ‏(‏من يعمل خيراً فلن يكفره‏)‏ بضم التحتية وفتح الفاء على بناء المجهول أي لن يعدم ثوابه ولن يحرمه بل يشكره الله له ويجازيه به ‏(‏وقرأ عليه لو أن لابن آدم وادياً الخ‏)‏ تقدم شرحه في باب لو كان لابن آدم واديان من مال من أبواب الزهد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والحاكم قال الحافظ في الفتح إسناده جيد ‏(‏وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب الخ‏)‏ وصله أحمد في مسنده ‏(‏وقد روى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي الخ‏)‏ وصله أحمد والشيخان والنسائي‏.‏

2183- باب فِي فَضْلِ الأَنْصَارِ وَقُرَيْش

الأنصار جمع نصير‏:‏ مثل شريف، وأشراف النصير الناصر وجمعه نصر مثل صاحب وصحب، والأنصار اسم إسلامي سمى به النبي صلى الله عليه وسلم الأوس والخزرج وحلفاءهم والأوس ينتسبون إلى الأوس بن حارثة والخزرج ينتسبون إلى الخزرج بن حارثة وهما ابنا قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وقيل قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة، وأبوهما حارثة بن ثعلبة من اليمن‏.‏ فأما قريش فاختلف في أن من هو الذي تسمى بقريش من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الزبير‏:‏ قالوا قريش اسم فهر بن مالك وما لم يلد فهر فليس من قريش، قال الزبير قال عمي‏:‏ فهر هو قريش اسمه وفهر لقبه، وكنية فهر أبو غالب وهو جماع قريش، وقال ابن هشام‏:‏ النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قريش ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي وهذا قول الجمهور، قيل قصي هو قريش‏.‏ وقال عبد الملك بن مروان سمعت أن قصياً كان يقال له قريش ولم يسم أحد قريشاً قبله، والقولان الأولان حكاهما غير واحد من أئمة علم النسب‏.‏ كأبي عمر بن عبد البر والزبير بن بكار ومصعب وأبي عبيدة، والصحيح الذي عليه الجمهور هو النضر، وقيل الصحيح فهر‏.‏ وقد اختلف في وجه التسمية بقريش على خمسة عشر قولاً ذكرها العيني في شرح البخاري

4063- حَدّثَنَا محمد بن بشار أَخبرنا أَبُو عَامِرٍ عن زُهَيْرِ بنِ مُحمّدٍ عن عَبْدِ اللّهِ بنِ مُحمّدِ بنِ عُقَيْلٍ عن الطّفَيْلِ بنِ أُبيّ بنِ كَعْبٍ، عن أَبِيهِ قالَ‏:‏ قالَ رسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ‏"‏‏.‏

4064- حَدّثَنَا محمد بن بشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جعْفَرٍ، أَخبرنا شُعْبَةُ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ‏:‏ أَنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَوْ قالَ‏:‏ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي الأَنْصَارِ‏:‏ ‏"‏لاَ يُحِبّهُمْ إِلاّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلاّ مُنَافِقٌ‏.‏ مَنْ أَحَبّهُمْ فَأَحَبّهُ اللّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمُ فَأَبْغَضَهُ اللّهُ، فَقُلْتُ لَهُ أَأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ إيّايَ حَدّثَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏ قال وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لو سلك الناس وادياً أو شِعباً لكنت مع الأنصار‏"‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن‏.‏

4065- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قال حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخبرنا شُعْبَةُ قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عن أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ‏:‏ ‏"‏جَمَعَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ‏:‏ هَلُمّ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ، فَقَالُوا‏:‏ لاَ، إِلاّ ابنَ أُخْتٍ لَنَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ابنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ، ثُمّ قَالَ‏:‏ إِنّ قُرَيْشاً حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِجَاهِلِيّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتأَلّفَهُمْ‏.‏ أَمَا تَرْضونَ أَنْ يَرْجِعَ النّاسُ بِالدّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى بُيُوتِكُمْ، قالُوا‏:‏ بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لَوْ سَلَكَ النّاسُ وَادِياً أَوْ شِعْباً وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِياً أَوْ شِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِي الأَنْصَارِ أو شِعْبهمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

4066- حَدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا هُشَيْمٌ، أَخبرنا عليّ بن زَيْدِ بنِ جَدْعَانَ حدثنا النّضْرُ بنُ أَنَسٍ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَم‏:‏ ‏"‏أَنّهُ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ يُعَزّيهِ فِيمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَهْلِهِ وَبَنِى عَمّهِ يَوْمَ الْحَرّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ‏:‏ إِنّي أُبَشّرُكَ بِبُشْرَى مِنَ اللّهِ إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول‏:‏ اللّهُمّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيّ الأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيّ ذَرَارِيهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، أَخبرنا علي بن زيد بن جدعان، حدثنا النضر بن أنس وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادةُ، عن النّضْرِ بنِ أَنَسٍ، عن زيْدِ بنِ أَرْقَمَ‏.‏

4067- حَدّثَنَا عَبْدَةُ بنُ عبْدِ اللّهِ الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ حدثنا أَبُو دَاودَ، وَعَبْدُ الصّمَدِ، قَالاَ‏:‏ أَخبرنا مُحمّدُ بنُ ثَابِتٍ البُنَانِيّ عن أَبِيهِ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن أَبي طَلْحَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ لِي رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اقْرِئْ قَوْمَكَ السّلاَمَ فَإِنّهُمْ مَا عَلِمْتُ أَعِفّةٌ صُبُرٌ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ‏.‏

4068- حَدّثَنَا الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، حدّثني الْفَضْلُ بن مُوسَى، عن زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ، عن عَطِيّةَ، عن أَبي سَعِيدٍ الخدري، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏أَلاَ إِنّ عَيْبَتِي الّتِي آوِي إِلَيْها أَهْلُ بَيْتِي وَإِنّ كَرِشِي الأَنْصَارُ فَاعْفُوا عن مُسِيئهِمْ وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏

قال وفي البابِ عن أَنَسٍ‏.‏

4069- حَدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ الْحَسَينِ أَخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاودَ الْهَاشِمِيّ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ أَخبرنا صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ عن الزّهْرِيّ عن مُحمّدِ بنِ أَبي سُفْيَانَ عن يُوسُفَ بنِ الْحَكَمِ عن مُحَمّدِ بنِ سَعْدٍ عن أَبِيهِ قَالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ يُرِدْ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللّهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ‏.‏ من هذا الوجه‏.‏

4070- أخبرنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ، قال حدثني أَبي عن صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ عن ابنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ‏.‏

4071- حَدّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا بِشْرُ بنُ السرّيّ وَالمُؤَمّلُ قالاَ‏:‏ حدثنا سُفْيَانُ عن حَبِيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِي‏:‏ ‏"‏لاَ يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رجل يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْم الاَخِرِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

4072- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أَخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخبرنا شُعْبَةُ قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدّثُ عن أَنسِ بنِ مَالِكٍ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَإِنّ النّاسَ سَيَكْثُرونَ وَيَقِلّونَ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عن مُسِيئِهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

4073- حَدّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ أَخبرنا أَبُو يَحْيَـىَ الْحِمّانِيّ عن الأَعْمَشِ عن طَارِقِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اللّهُمّ أَذَقْتَ أَوّلَ قُرَيْشٍ نَكَالاً فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ‏.‏

4074- حَدّثَنَا عَبْدُ الوَهّابِ الوَرّاقُ، حدثني يَحْيَـىَ بنُ سَعِيدٍ الأَمَوِيّ عن الأَعْمَشِ نَحْوَهُ‏.‏

4075- حَدّثَنَا الْقَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الكُوفِيّ أَخبرنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ عن جَعْفِرٍ الأَحْمَرِ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن أَنَسٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏اللّهُمّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ، وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَلأِبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَلِنِسَاءِ الأَنْصَارِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو عامر‏)‏ العقدي ‏(‏عن زهير بن محمد‏)‏ التميمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لولا الهجرة لكنت أمراً من الأنصار‏)‏ قال الخطابي‏:‏ أراد بهذا الكلام تألف الأنصار وتطييب قلوبهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحداً منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان على وجوه الولادية كالقرشية والبلادية كالكوفية والاعتقادية كالسنية والصناعية كالصيرفية ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به الانتقال عن نسب آبائه إذ ذاك ممتنع قطعاً، وكيف وأنه أفضل منهم نسباً، وأكرمهم أصلاً‏.‏ وأما الاعتقادي فلا موضع فيه للانتقال إذ كان دينه ودينهم واحداً فلم يبق إلا القسمان الأخيران الجائز فيهما الانتقال، وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمراً واجباً، أي لولا أن النسبة الهجرية ولا يسعني تركها لانتقلت عن هذا الاسم إليكم ولانتسبت إلى داركم‏.‏ قال الخطابي‏:‏ وفيه وجه آخر وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة وتكاد تلحقها بالعمومة، وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار، فقد يكون صلى الله عليه وسلم ذهب هذا المذهب إن كان أراد به نسبة الولادة ‏(‏لو سلك الأنصار وادياً‏)‏ أي طريقاً والوادي المكان المنخفض وقيل الذي فيه ماء والمراد هنا الطريق حسياً كان أو معنوياً ‏(‏أو شعباً‏)‏ بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة وهو اسم لما انفرج بين جبلين وقيل الطريق في الجبل‏.‏ قال الخطابي‏:‏ لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم وادياً وشعباً فأراد أنه مع الأنصار‏.‏ قال ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب كما يقال فلان في واد وأنا في واد‏.‏ قيل أراد صلى الله عليه وسلم بذلك حسن موافقته إياهم وترجيحهم في ذلك على غيرهم لما شاهد منهم حسن الوفاء بالعهد، وحسن الجوار وما أراد بذلك وجوب متابعته إياهم، فإن متابعته حق على كل مؤمن ومؤمنة لأنه صلى الله عليه وسلم هو المتبوع المطاع لا التابع المطيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق‏)‏ قال ابن التين‏:‏ المراد حب جميعهم وبغض جميعهم لأن ذلك إنما يكون للدين ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلاً في ذلك وهو تقرير حسن، وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والقيامة بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم والعداوة تجر البغض‏.‏ ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق تنويهاً بعظيم فضلهم وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركاً لهم في الفضل المذكور كل بقسطه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن علي‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏"‏لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق‏"‏‏.‏ وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة لتحقق مشترك الإكرام لما لهم من حسن العناء في الدين‏.‏ قال صاحب المفهم، وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غير هذه الجهة بل للأمر الطاريء الذي اقتضى المخالفة ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد‏.‏ كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري في المناقب ومسلم في الإيمان والنسائي في المناقب وابن ماجه في السنة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏جمع ناساً من الأنصار‏)‏ وعند البخاري من رواية الزهري عن أنس قال‏:‏ قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً المائة من الإبل‏.‏ فقالوا‏:‏ يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم‏.‏ قال أنس فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم غيرهم‏.‏ فلما اجتمعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما حديث بلغني عنكم‏؟‏‏"‏ فقال فقهاء الأنصار أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريش ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم‏"‏ الحديث ‏(‏فقال هلم‏)‏ أي تعالوا وفيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع والاثنين والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث فنقول هلم وهلمي وهلما وهلموا ‏(‏فقال ابن أخت القوم منهم‏)‏ أي هو متصل بأقربائه في جميع ما يجب أن يتصل به كنصرة ومشورة ومودة وسر، لا في الإرث فلا يدل على توريث ذوي الأرحام قاله المناوي، وقال النووي في شرح مسلم‏:‏ استدل به من يرث ذوي الأرحام وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وآخرين، ومذهب مالك والشافعي وآخرين أنهم لا يرثون وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطاً وقرابة ولم يتعرض للإرث، وسياق الحديث يقتضي أن المراد كالواحد منهم في إفشاء سرهم بحضرته ونحو ذلك انتهى ‏(‏حديث‏)‏ بالتنوين ‏(‏عهدهم‏)‏ بالرفع ‏(‏بجاهلية‏)‏ أي قريب زمانهم بجاهلية ‏(‏ومصيبة‏)‏ من نحو قتل أقاربهم وبفتح بلادهم ‏(‏أن أجبرهم‏)‏ بفتح الهمزة وسكون الجيم وضم الموحدة وبالراء من جبرت الوهن والكسر إذا أصلحته، وجبرت المصيبة إذا فعلت مع صاحبها ما ينساها به ‏(‏وأتألفهم‏)‏ أي أطلب ألفتهم بالإسلام بإعطاء المال لا لكونهم من قريش أو لغرض آخر ‏(‏أما ترضون أن يرجع الناس‏)‏ أي غيركم من المؤلفة قلوبهم ‏(‏بالدنيا‏)‏ وفي رواية بأموال وفي رواية بالشاة والبعير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا هشيم‏)‏ بن بشير بن القاسم السلمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يعزيه‏)‏ من التعزية أي يحمله على العزاء بالمد وهو الصبر ‏(‏يوم الحرة‏)‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ الحرة يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين وعقيبها هلك يزيد، والحرة هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة وكانت الوقعة بها انتهى‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ وكان سبب وقعة الحرة أن أهل المدينة خلعوا بيعة يزيد بن معاوية لما بلغهم ما يتعمده من الفساد فأمر الأنصار عليهم عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر وأمر المهاجرون عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وأرسل إليهم يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش كثير فهزمهم واستباحوا المدينة وقتلوا ابن حنظلة وقتل من الأنصار شيء كثير جداً وكان أنس يومئذ بالبصرة فبلغه ذلك فحزن على من أصيب من الأنصار فكتب إليه زيد بن أرقم وكان يومئذ بالكوفة يسليه، ومحصل ذلك أن الذي يصير إلى مغفرة الله لا يشتد الحزن عليه فكان ذلك تعزية لأنس فيهم ‏(‏فكتب إليه‏)‏ أي كتب زيد بن أرقم إلى أنس ‏(‏أنا أبشرك ببشرى من الله‏)‏ البشرى بضم الموحدة وسكون المعجمة اسم من البشارة وهي الإخبار بما يسر ‏(‏إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ هذا بيان للبشرى وقد تقدم محصل التعزية في كلام الحافظ ‏(‏ولذراري الأنصار‏)‏ بتشديد الياء وتخفيفها جمع ذرية، قال في القاموس الذرية بالضم ويكسر ولد الرجل والجمع الذريات والذراري، وروى البخاري عن أنس بن مالك يقول‏:‏ حزنت على من أصيب بالحرة فكتب إلى زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد رواه قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم‏)‏ وصله مسلم في صحيحه ولفظه‏:‏ اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو داود‏)‏ الطيالسي ‏(‏وعبد الصمد‏)‏ بن عبد الوارث ‏(‏عن أبي طلحة‏)‏ هو زوج أم أنس بن مالك واسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري البخاري مشهور بكنيته من كبار الصحابة شهد بدراً وما بعدها مات سنة أربع وثلاثين، وقال أبو زرعة الدمشقي عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة ‏(‏اقرئ قومك السلام‏)‏ أمر من الإقراء أو من قرأ يقرأ أي أبلغهم السلام ‏(‏فإنهم‏)‏ أي قومك ‏(‏ما علمت‏)‏ ما موصولة أي بناء على ما علمته فيهم من الصفات ‏(‏أعفة‏)‏ بفتح فكسر فتشديد جمع عفيف وهي خبر إن وما علمت معترضة ‏(‏صبر‏)‏ بضمتين جمع صابر كبزل وبازل‏.‏ قال الطيبي‏:‏ ما موصولة والخبر محذوف أي الذي علمت منهم أنهم كذلك يتعففون عن السؤال ويتحملون الصبر عند القتال وهو مثل ما في الحديث‏:‏ يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع، وقيل ما مصدرية يعني أنهم يتعففون ويتحملون مدة علمي بحالهم أو في علمي بحالهم أو موصولة أي فيما علمت منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البزار وفيه أيضاً محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا الفضل بن موسى‏)‏ السيناني المروزي ‏(‏عن عطية العوفي‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ألا‏)‏ بالتخفيف للتنبيه ‏(‏إن عيبتي‏)‏ أي خاصتي ‏(‏التي آوي‏)‏ أي أميل وأرجع ‏(‏وإن كرشي‏)‏ أي بطانتي ‏(‏فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم‏)‏ الضمير راجع إلى الصنفين من أهل البيت والأنصار على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا خصمان اختصموا‏}‏ ويحتمل أن يرجع إلي الأخير والأول يفهم بالطريق الأولى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أنس‏)‏ أخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏الأنصار كرشي وعيبتي‏)‏ في القاموس الكرش بالكسر وككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان مؤنثة، وعيال الرجل وصغار ولده والجماعة والعيبة بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها موحدة زنبيل من أدم ونحوه وما يجعل فيه الثياب ومن الرجل موضع سره، قال في النهاية‏:‏ أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته والذين يعتمد عليهم في أموره واستعار الكرش والعيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه والرجل يضع ثيابه في عيبته، وقيل أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي يقال عليه كرش من الناس أي جماعة انتهى، وقال التوربشتي الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان والعرب تستعمل الكرش في كلامهم موضع البطن والبطن مستودع مكتوم السر والعيبة مستودع مكنون المتاع والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر، ويحتمل أنه ضرب المثل بهما إرادة اختصاصهم به في أموره الظاهرة والباطنة ‏(‏وإن الناس سيكثرون‏)‏ بضم المثلثة ‏(‏ويقلون‏)‏ بفتح الياء وكسر القاف وتشديد اللام أي ويقل الأنصار، قال الحافظ فيه إشارة إلى دخول قبائل العرب والعجم في الإسلام وهم أضعاف أضعاف قبيلة الأنصار، فمهما فرض في الأنصار من الكثرة كالتناسل فرض في كل طائفة من أولئك فهم أبداً بالنسبة إلى غيرهم قليل‏.‏ ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم اطلع على أنهم يقلون مطلقاً فأخبر بذلك فكان كما أخبر لأن الموجودين الاَن من ذرية علي بن أبي طالب ممن يتحقق نسبه إليه أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس والخزرج ممن يتحقق نسبه وقس على ذلك ولا التفات إلى كثرة من يدعي أنه منهم بغير برهان ‏(‏فاقبلوا من محسنهم‏)‏ أي إن أتوا بعذر فيما صدر عنهم ‏(‏وتجاوزوا عن مسيئهم‏)‏ أي إن عجزوا عن عذر والتجاوز عن المسيء مخصوص بغير الحدود وحقوق الناس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أحمد بن الحسن‏)‏ بن جنيدب الترمذي ‏(‏أخبرنا إبراهيم بن سعد‏)‏ بن إبراهيم بن إبراهيم الزهري ‏(‏عن محمد بن أبي سفيان‏)‏ بن العلاء بن جارية الثقفي أبي بكر الدمشقي مقبول من السادسة ‏(‏عن يوسف بن الحكم‏)‏ بن أبي عقيل عمرو بن مسعود بن عامر الثقفي والد الحجاج الأمير وقد ينسب لجده مقبول من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من يرد‏)‏ من الإرادة ‏(‏هوان قريش‏)‏ بفتح الهاء أي ذلهم وإهانتهم ‏(‏أهانه الله‏)‏ أي أذله وأخزاه‏.‏ قال المناوي‏:‏ خرج مخرج الزجر والتهويل ليكون الانتهاء عن أذاهم أسرع امتثالاً وإلا فحكم الله المطرد في عدله أنه لا يعاقب على الإرادة انتهى‏.‏ قلت وفي رواية لأحمد‏:‏ من أهان قريشاً أهانه الله عز وجل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد والحاكم قال المناوي وإسناده جيد‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏والمؤمل‏)‏ بن إسماعيل البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يبغض الأنصار‏)‏ أي جميعهم أو جنسهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الطبراني وزاد‏:‏ ولا يحب ثقيفاً رجل يؤمن بالله واليوم الاَخر‏.‏ قال الهيثمي‏:‏ رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي وهو صدوق وفيه خلاف لا يضر انتهى، وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وأبي سعيد‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو يحيى الحماني‏)‏ بكسر المهملة وتشديد الميم اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن ‏(‏عن طارق بن عبد الرحمن‏)‏ البجلي الأحمسي الكوفي صدوق له أوهام من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اللهم أذقت أول قريش‏)‏ أي يوم بدر والأحزاب ‏(‏نكالاً‏)‏ بفتح النون أي عذاباً بالقتل والقهر وقيل بالقحط والغلاء ‏(‏فأذق آخرهم نوالاً‏)‏ أي إنعاماً وعطاءً وفتحاً من عندك‏.‏ وقال في اللمعات‏:‏ لعل المراد بالنكال ما أصاب أوائلهم بكفرهم وإنكارهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخزي والعذاب والقتل، وبالنوال وما حصل لأواخرهم من العزة والملك والخلافة والإمارة ما لا يحيط بوصفه البيان انتهى‏.‏

‏.‏‏.‏‏.‏- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الوهاب الوراق‏)‏ هو عبد الوهاب بن عبد الحكم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا إسحاق بن منصور‏)‏ السلولي ‏(‏عن جعفر الأحمر‏)‏ هو جعفر بن زياد الأحمر الكوفي صدوق يتشيع من السابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار‏)‏ ظاهره تخصيص طلب المغفرة إلى مرتبتين الأبناء وأبناء الأبناء ولو حمل على آخر مراتب الأبناء بالغاً ما بلغ إلى مدة بقائهم لم يبعد بل لو حمل الأبناء على معنى الأولاد كان له وجه كذا في اللمعات‏.‏

قلت‏:‏ ويؤيد هذا الأخير رواية أنس المتقدمة بلفظ‏:‏ اللهم اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذراريهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه‏)‏ ورواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة‏:‏ أن أنساً حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر للأنصار قال وأحسبه قال‏:‏ ‏"‏ولذراري الأنصار ولموالي الأنصار‏"‏‏.‏ لا أشك فيه‏.‏

2184- باب في أَيّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْر

الدور بالضم‏:‏ جمع دار، وهي المنازل المسكونة والمحال وتجمع أيضاً على ديار وأراد بها هنا القبائل وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت تلك المحلة داراً وسمي ساكنوها بها مجازاً على حذف المضاف أي أهل الدور، كذا في النهاية

4076- حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ، أَخبرنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن يَحْيَـىَ بنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ، أَنّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنْصَارِ، أَوْ بِخَيْرِ الأنْصَارِ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلى يَا رَسُولَ اللّهِ‏.‏ قَالَ بَنُو الْنَجّارِ، ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو عَبْدِ الأشْهَلِ، ثمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو الْحَارِث بنِ الْخَزْرَجِ، ثمّ الّذِينَ يَلُونهُمْ بَنُو سَاعِدَةَ ثمّ قَالَ‏:‏ بِيدهِ فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ، ثمّ بَسَطَهُنّ كَالرّامِي بِيَدَيْهِ، قَالَ‏:‏ وَفِي دُورِ الأنْصَارِ كُلّهَا خَيْرٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أيضاً عن أَنَسٍ عن أَبي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

4077- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ بَشّارِ أَخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أَخبرنا شُعْبَةُ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ قَتَادَةُ يُحَدّثُ عن أَنسِ بنِ مَالِكٍ عن أَبي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ قَالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خَيْرُ دُورِ الأنْصَارِ دُورُ بَنِي النّجّارِ، ثُمّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمّ بَنِي الْحَارِثِ بنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ بَنِي سَاعِدَةَ وَفِي كُلّ دُورِ الأنْصَارِ خَيْرٌ، فَقَالَ سَعْدٌ‏:‏ مَا أَرَى رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاّ قَدْ فَضّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ قَدْ فَضّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ وَأَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ اسْمُهُ‏:‏ مَالِكُ بنُ رَبِيعَةَ‏.‏ وقد رُوي نحو هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورواه معمر عن الزهري عن أبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

4078- حَدّثَنَا أَبُو السّائِبِ سَلْمُ بنُ جُنادَةَ بنِ سَلْمٍ، حدثنا أَحْمَدُ بنُ بَشِيرٍ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللّهِ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خَيْرُ دِيَارِ الأنْصَارِ بَنُو النّجّارِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ‏.‏ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

4079- حَدّثَنَا أَبُو السّائِبِ سلم بن جنادة، أَخبرنا أَحْمَدُ بنُ بَشِيرٍ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن جَابِرِ بن عبد الله قالَ‏:‏ قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏خَيْرُ الأنْصَارِ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏ألا أخبركم بخير دور الأنصار‏)‏ أي أفضل قبائلهم‏.‏ قال النووي‏:‏ وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان من غير ذكر الدار، قال العلماء‏:‏ وتفضيلهم على قدر سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه، وفي هذا دليل لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة انتهى ‏(‏أو بخير الأنصار‏)‏ أو للشك من الراوي ‏(‏بنو النجار‏)‏ بفتح النون وتشديد الجيم هم من الخزرج والنجار هو تيم الله، وسمي بذلك لأنه ضرب رجلاً فنجره فقيل له النجار وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج أخو الأوس ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء ‏(‏ثم الذين يلونهم بنو عبد الأشهل‏)‏ هم من الأوس وهو عبد الأشهل بن جشيم بن الحرث بن الخزرج الأصفر بن عمرو بن مالك وابن الأوس بن حارثة ‏(‏ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن الخزرج‏)‏ أي الأكبر أي ابن عمرو بن مالك بن الأوس المذكور بن حارثة ‏(‏ثم الذين يلونهم بنو ساعدة‏)‏ هم من الخزرج المذكور أيضاً وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج الأكبر ‏(‏ثم قال بيديه‏)‏ أي أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما ‏(‏كالرامي بيديه‏)‏ أي كالذي يرمي الشيء بيديه فإنه يقبض أصابعه على الشيء ثم يبسطهن ‏(‏وفي دور الأنصار كلها خير‏)‏ أي فضل بالنسبة إلى غيرهم من أهل المدينة وهو تعميم بعد تخصيص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏وفي كل دور الأنصار خير‏)‏ المذكور في هذا الحديث لفظ خير في الموضعين الأول قوله خير دور الأنصار ولفظ خير فيه بمعنى أفعل التفضيل أي أفضل دور الأنصار، والثاني قوله هذا ولفظ خير فيه على أصله أي في كل دور الأنصار خير وإن تفاوتت مراتبهم ‏(‏فقال سعد‏)‏ أي ابن عبادة وهو من بني ساعدة وكان كبيرهم يومئذ ‏(‏ما أرى‏)‏ بفتح الهمزة من الرؤية وهي من إطلاقها على المسموع ويحتمل أن يكون من الاعتقاد ويجوز ضمها بمعنى الظن ‏(‏إلا قد فضل علينا‏)‏ أي قد فضل النبي صلى الله عليه وسلم علينا بعض القبائل، وإنما قال ذلك لأنه من بني ساعدة‏.‏ ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بني ساعدة إلا بكلمة ثم بعد ذكره القبائل الثلاثة، وفي رواية لمسلم‏:‏ وبلغ ذلك سعد بن عبادة فوجد في نفسه وقال‏:‏ خلفنا فكنا آخر الأربع أسرجوا إلي حماري آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه ابن أخيه سهل فقال‏:‏ أتذهب لترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم، أو ليس حسبك أن تكون رابع أربع فرجع وقال الله ورسوله أعلم، وأمر بحماره فحل عنه ‏(‏فقيل‏)‏ قال الحافظ لم أقف على اسم الذي قال له ذلك ويحتمل أن يكون هو ابن أخيه سهل ‏(‏قد فضلكم علي كثير‏)‏ أي على كثير من القبائل الغير المذكورين من الأنصار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي ‏(‏وأبو أسيد‏)‏ بضم الهمزة وفتح السين المهملة مصغراً ‏(‏اسمه مالك بن ربيعة‏)‏ بن البدن بفتح الموحدة والدال المحملة بعدها نون، مشهور بكنيته، شهد بدراً وغيرها ومات سنة ثلاثين، وقيل بعد ذلك حتى قال المدائني مات سنة ستين، قال هو آخر من مات من البدريين‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن مجالد‏)‏ هو ابن سعيد الهمداني ‏(‏خير ديار الأنصار بنو النجار‏)‏ أي أفضل قبائلهم قبيلة بني النجار‏.‏

فإن قلت‏:‏ رواية جابر هذه مخالفة لروايته التي بعدها بلفظ ‏"‏خير الأنصار بنو عبد الأشهل‏"‏ فكيف التوفيق بينهما‏.‏

قلت‏:‏ في الرواية الثانية من مقدرة، أي من أفضل قبائل الأنصار قبيلة بني عبد الأشهل‏.‏

2185- باب في فَضْلِ المَدِينَة

4080- حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أَخبرنا اللّيْثُ عن سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ الزرقي، عن عَاصِمٍ بنِ عَمْروٍ، عن عَليّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَتّى إِذَا كَانَ بحَرّةِ السّقْيَا الّتِي كَانَتْ لِسَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ، فَقَالَ‏:‏ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ائْتُونِي بِوَضُوءٍ، فَتَوَضّأَ ثُمّ قَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثم قَالَ‏:‏ اللّهُمّ إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَك وَدَعَا لأَهْلِ مَكّةَ بِالْبَرَكَةِ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَدْعُوكَ لأِهْلِ المَدِينَةِ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي مُدّهِمْ، وَصَاعِهِمْ مِثْلَ مَا بَارَكْتَ لأِهْلِ مَكّةَ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتْينِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قال وفي البابِ عن عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللّهِ بنِ زَيْدٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

4081- حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بنِ أَبي زِيَادٍ، أَخبرنا أَبُو نُبَاَتَةَ يُونُسُ بنُ يَحْيَـى بنِ نُبَاتَةَ، أَخبرنا سَلَمَةُ بنُ وَرْدَانَ، عن أَبي سَعِيدِ بنِ المُعَلّى، عن علِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالاَ‏:‏ قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنّةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ حسنٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ من حديث علي وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

4082- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ كَامِلٍ المِرْوزِيّ، أَخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ أَبي حَازِمٍ الزّاهِدُ، عن كَثِيرِ بنِ زَيْدٍ عن الوَلِيدِ بنِ رَيَاحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنّةِ‏"‏ وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِدِ إِلاّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ وَقَدْ رُوِيَ عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ‏.‏

4083- حَدّثَنَا محمد بن بشار حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثني أَبي، عن أَيّوبَ، عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ‏:‏ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِني أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بهَا‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأسْلَمِيّةِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَيّوبَ السّخْتِيَانيّ‏.‏

4084- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى، أَخبرنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللّهِ بنَ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏أَنّ مَوْلاَةً لَهُ أتَتْهُ، فَقَالَتْ‏:‏ اشْتَدّ عَلَيّ الزّمَانُ، وَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الْعِرَاقِ، قَالَ‏:‏ فَهَلاّ إِلَى الشّامِ أَرْضِ المَنْشَرِ‏؟‏ وَاصْبِرَي لَكَاعِ فَإِنّي سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ مَنْ صَبَرَ عَلَى شِدّتهَا وَلأْوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيداً أَوْ شَفِيعاً يَوْمَ الْقِيامَةِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أَبي سَعِيدٍ وَسُفْيَانَ بنِ أَبي زُهَيْرٍ وَسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيّةِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ‏.‏ من حديث عبيد الله‏.‏

4085- حَدّثَنَا أَبُو السّائِبِ سَلْمُ بنُ جُنَادَةَ، حدثنا أبي جُنَادَةَ بنُ سَلْمٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ، قالَ‏:‏ قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الإِسْلاَمِ خَرَاباً المَدِينَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثِ جُنَادَةَ عن هِشَامٍ‏.‏ بن عروة قال‏:‏ تعجب محمد بن إسماعيل من حديث أبي هريرة هذا‏.‏

4086- حَدّثَنَا الأَنْصَارِيّ، أَخبرنا مَعْنٌ، أَخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، وحدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكِ بن أَنَسٍ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ أَعْرَابِيّا بَايَعَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الإِسْلاَمِ، فَأَصَابَهُ وَعَكٌ بِالمَدِينَةِ، فَجَاءَ الأَعْرَابِيّ إِلَى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ‏:‏ أَقِلْنِي بَيْعَتِي‏.‏ فَأَبَى رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمّ جَاءَهُ، فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى‏.‏ فَخَرَجَ الأعْرَابِيّ، فَقالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِنّهَا المَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَتُنَصّحُ طَيّبَهَا‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وهَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

4087- حَدّثَنَا الأنْصارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مَالِكٌ، وَحدثنا قُتَيْبَةُ، عن مَالِكٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ‏:‏ ‏"‏لَوْ رَأَيْتُ الظّبَاءَ تَرْتَعُ بِالمَدِينَةِ مَا ذَعْرْتُهَا‏.‏ إِن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن سَعيدٍ وَعَبْدِ اللّهِ بنِ زَيْدٍ وَأَنَسٍ وَأَبي أَيّوبَ وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وَرَافِعِ بنِ خَديجٍ وَجَابِرٍ وَسَهْلِ بنِ حنيفٍ نحوه‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

4088- حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٍ وَحدثنا الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالكٌ عن عَمْروِ بنِ أَبي عَمْرو عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم طَلَعَ لَهُ أُحُد، فَقَالَ‏:‏ هَذَا جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ‏.‏ اللّهُمّ إِنّ إِبْرَاهِيمَ حَرّمَ مَكّةَ، وَإِنّي أُحَرّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

4089- حَدّثَنَا الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، أَخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى، عن عِيسَى بنِ عُبَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ عَبْدِ اللّهِ الْعَامِرِيّ عن أَبي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ، عن جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللّهِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ اللّهَ أَوْحَى إِلَيّ أَيّ هُؤَلاَءِ الثّلاَثَةِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجرَتِكَ المَدِينَةِ، أَوْ الْبَحْرَيْنِ، أَوْ قِنسْرِينَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ الفَضْلِ بنِ مُوسَى تَفَرّدَ به أَبُو عَامِرٍ‏.‏

4090- حَدّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى، حدثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن صَالِحِ بنِ أَبي صَالِحٍ، عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأْوَاءِ المَدِينَةِ وَشِدّتِهَا أَحَدٌ إِلاّ كُنْتُ لَهُ شَهِيداً أَوْ شَفِيعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال وفي الباب عن أبي سعيد وسفيان بن أبي زهير وسبيعة الأسلمية‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، قال وَصَالِحُ بنُ أَبي صَالِحٍ أَخُو سُهَيْلِ بن أَبي صَالِحٍ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الليث‏)‏ هو ابن سعد ‏(‏عن عمرو بن سليم‏)‏ الزرقي ‏(‏عن عاصم بن عمرو‏)‏ بالواو ويقال عاصم بن عمر بغير الواو حجازي مدني يثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى إذا كان بحرة السقيا‏)‏ بضم السين المهملة وسكون القاف موضع بين المدينة ووادي الصفراء والحرة بفتح المهملة أرض ذات حجارة سود ‏(‏ائتوني بوضوء‏)‏ بفتح الواو أي بماء الوضوء ‏(‏إن إبراهيم كان عبدك وخليلك‏)‏ من الخلة وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فملأنه ‏(‏ودعا لأهل مكة بالبركة‏)‏ بقوله ‏{‏وارزقهم من الثمرات‏}‏ الاَية ‏(‏وأنا عبدك ورسولك‏)‏ لم يذكر الخلة لنفسه مع أنه خليل أيضاً تواضعاً ورعاية للأدب مع أبيه ‏(‏أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم‏)‏ أي فيما يكال بهما بركة ‏(‏مثلي ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين‏)‏ أي أدعوك أن تضاعف لهم البركة ضعفي ما باركته لأهل مكة بدعاء إبراهيم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد قوي كذا في الترغيب وأخرجه أيضاً أحمد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن زيد وأبي هريرة‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، وأما حديث عبد الله بن زيد وهو ابن عاصم فأخرجه مسلم، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر من أبواب الدعوات‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو نباتة‏)‏ بنون مضمومة فموحدة ومثناة ‏(‏يونس بن يحيى بن نباتة‏)‏ الأموي المدني صدوق من التاسعة أخبرنا سلمة بن وردان الليثي ‏(‏عن أبي سعيد بن أبي المعلى‏)‏ بضم الميم وفتح اللام المشددة‏.‏ ويقال ابن المعلى المدني مقبول من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما بين بيتي ومنبري‏)‏ وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات‏.‏ وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله‏:‏ بيتي أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد رد الحديث بلفظ‏:‏ ‏"‏ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة‏"‏‏.‏ أخرجه الطبراني ‏(‏روضة من رياض الجنة‏)‏ أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر لاسيما في عهده صلى الله عليه وسلم فيكون تشبهاً بغير أداة، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة فيكون مجازاً أو هو على ظاهره وأن المراد أنه روضة حقيقة بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الاَخرة إلى الجنة‏.‏ هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث وهي على ترتيبها هذا في القوة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن كثير بن زيد‏)‏ هو الأسلمي المدني ‏(‏عن الوليد بن رباح‏)‏ الدوسي المدني مولى ابن أبي بن ذباب صدوق من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة‏)‏ زاد الشيخان من طريق حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة ومنبري على حوضي‏.‏

قال الحافظ‏:‏ أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض، قال الأكثر المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه، وقيل المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر، وقيل معناه إن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضي شربه منه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صلاة في مسجدي هذا الخ‏)‏ تقدم شرح هذا الحديث في باب أي المساجد أفضل من أبواب الصلاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أيوب‏)‏ هو السختياني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من استطاع‏)‏ أي قدر ‏(‏أن يموت بالمدينة‏)‏ أي يقيم بها حتى يدركه الموت ثمت ‏(‏فليمت بها‏)‏ أي فليقم بها حتى يموت فهو حث على لزوم الإقامة بها ‏(‏فإني أشفع لمن يموت بها‏)‏ أي أخصه بشفاعتي غير العامة زيادة في إكرامه‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أمر له بالموت بها وليس ذلك من استطاعته بل هو إلى الله تعالى لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها فيكون ذلك سبباً لأن يموت فيها، فأطلق المسبب وأراد السبب كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية‏)‏ أخرجه الطبراني في الكبير بنحو حديث ابن عمر قال المنذري‏:‏ ورواته محتج بهم في الصحيح إلا عبد الله بن عكرمة روى عنه جماعة ولم يجرحه أحد‏.‏ وقال البيهقي‏:‏ هو خطأ وإنما هو عن صميته كما تقدم انتهى‏.‏

قلت‏:‏ أشار بقوله ما تقدم إلى حديث صميتة امرأة من بني ليث أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من استطاع منكم أن لا يموت إلا بالمدينة فليمت بها‏"‏‏.‏ الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن عبد الأعلى‏)‏ هو الصنعاني ‏(‏سمعت عبيد الله بن عمر‏)‏ العمري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اشتد علي‏)‏ بتشديد الياء ‏(‏الزمان‏)‏ بالرفع والمعنى أصابتني شدة وجهد ‏(‏وإني أريد أن أخرج إلى العراق‏)‏ بكسر العين ككتاب اسم بلاد تمتد من عبادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً ‏(‏فهلا‏)‏ كلمة تحضيض مركبة من هل ولا، فإن دخلت على الماضي كانت للوم على ترك الفعل نحو هلا آمنت، وإن دخلت على المضارع كانت للحث على الفعل‏:‏ نحو هلا تؤمن ‏(‏إلى الشام أرض المنشر‏)‏ أي موضع النشور وهي الأرض المقدسة من الشام يحشر الله الموتى إليها يوم القيامة وهي أرض المحشر ‏(‏واصبري لكاع‏)‏ بفتح اللام وأما العين فمبنية على الكسر، قال أهل اللغة‏:‏ يقال امرأة لكاع ورجل لكع بضم اللام وفتح الكاف، ويطلق ذلك على اللئيم وعلى العبد وعلى الغبي الذي لا يهتدي لكلام غيره وعلى الصغير وخاطبها ابن عمر بهذا إنكاراً عليها لا دلالة عليها لكونها ممن ينتمي إليه ويتعلق به وحثها على سكني المدينة لما فيه من الفضل ‏(‏من صبر على شدتها ولأوائها‏)‏ مهموزاً وممدوداً‏:‏ قال في النهاية اللأواء الشدة وضيق المعيشة ‏(‏كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ قال بعض شيوخنا أو هنا للشك والأظهر عندنا أنها ليست للشك لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة بل الأظهر أنه قاله صلى الله عليه وسلم هكذا، فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة وهكذا وإما أن يكون أو للتقسيم يكون شهيداً لبعض أهل المدينة وشفيعاً لباقيهم إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين وإما شهيداً لمن مات في حياته، وشفيعاً لمن مات بعده أو غير ذلك‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة‏.‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد‏:‏ ‏"‏أنا شهيد على هؤلاء‏"‏‏.‏ فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزية وزيادة منزلة وحظوة، قال وقد يكون بمعنى الواو فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً، ذكره النووي في شرح مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد‏)‏ أخرجه مسلم ‏(‏وسفيان بن أبي زهير‏)‏ أخرجه الشيخان والنسائي ‏(‏وسبيعة الأسلمية‏)‏ تقدم تخريجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبي جنادة‏)‏ بضم الجيم وبالنون وبإهمال الدال ‏(‏بن سلم‏)‏ بفتح السين المهملة وسكون اللام ابن خالد بن جابر بن سمرة السوائي أبو الحكم الكوفي صدوق له أغلاط من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آخر قرية من قرى الإسلام خراباً‏)‏ مبتدأ وخبره قوله‏:‏ ‏(‏المدينة‏)‏ ويجوز عكسه، والمراد بالمدينة المدينة النبوية وهي علم لها بالغلبة فلا يستعمل معرفاً إلا فيها، وفي الحديث إشارة إلى أن عمارة الإسلام منوطة بعمارتها وهذا ببركة وجوده فيها صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه ابن حبان ‏(‏لا نعرفه إلا من حديث جنادة عن هشام‏)‏ وقع في بعض النسخ بعد هذا قال‏:‏ تعجب محمد بن إسماعيل من حديث أبي هريرة هذا، قال المناوي في شرح الجامع الصغير‏:‏ وذكر أي الترمذي في العلل‏:‏ أنه سأل عنه البخاري فلم يعرفه وتعجب منه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام‏)‏ من المبايعة، وهي عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره ‏(‏فأصابه وعك‏)‏ بفتح الواو وسكون العين المهملة، وقد تفتح بعدها كاف، الحمى وقبل ألمها وقيل إرعادها ‏(‏أقلني بيعتي‏)‏ استعارة من إقالة البيع وهو إبطاله ‏(‏فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال العلماء‏:‏ إنما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره‏.‏

قالوا‏:‏ وهذا الأعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على المقام معه قال القاضي‏:‏ ويحتمل أن بيعة هذا الأعرابي كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة عليه صلى الله عليه وسلم، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة منه فلم يقله والصحيح الأول انتهى‏.‏ ‏(‏فخرج الأعرابي‏)‏ أي من عند النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ثم جاءه‏)‏ أي ثانياً ‏(‏فخرج الأعرابي‏)‏ أي من المدينة راجعاً إلى البدو ‏(‏إنما المدينة كالكير‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الكير بالكسر كير الحداد وهو المبني من الطين وقيل الزق الذي ينفخ به النار والمبني الكور، انتهى‏.‏ ‏(‏تنفي خبثها‏)‏ بفتح المعجمة والموحدة هو ما تلقيه من وسخ الفضة والنحاس وغيرهما إذا أذيبا‏.‏ والمعنى تطرد المدينة من لا خير فيه وتخرجه ‏(‏وتنصع‏)‏ من باب التفعيل والإفعال أي تخلص ‏(‏طيبها‏)‏ بالنصب على المفعولية، وهو بفتح الطاء وتشديد التحتية جعل مثل المدينة وما يصيب ساكنيها من الجهد والبلاء كمثل الكير وما يوقد عليه في النار فيميز به الخبيث من الطيب، فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أذكى ما كان وأخلص، قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال القاضي الأظهر أن هذا مختص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيماناً، وأما المنافقون وجهلة الأعراب فلا يصبرون على شدة المدينة، ولا يحتسبون الأجر في ذلك كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك أقلني بيعتي، هذا كلام القاضي، وهذا الذي أدعي أنه الأظهر ليس بالأظهر، لأن في هذا الحديث الأول في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد‏"‏ وهذا والله أعلم في زمن الدجال كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال‏:‏ أنه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كافر منافق‏:‏ فيحتمل أنه مختص بزمن الدجال، ويحتمل أنه في أزمان متفرقة انتهى‏.‏ وقال ابن المنير‏:‏ ظاهر هذا الحديث ذم من خرج من المدينة وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد وكذا من بعدهم من الفضلاء‏.‏

والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها كما فعل الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكناها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة‏)‏ أخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏لو رأيت الظباء‏)‏ جمع ظبي ‏(‏ترتع‏)‏ أي ترعى وقيل معناه تسعى وتنشط ‏(‏ما ذعرتها‏)‏ أي ما أخفتها وما نفرتها وهو بالذال المعجمة والعين المهملة يقال ذعرته أذعره ذعراً، أفزعته وقد ذعر فهو مذعور وكني بذلك عن عدم صيدها ‏(‏ما بين لابتيها‏)‏ أي لابتي المدينة، قال أهل اللغة وغريب الحديث‏:‏ اللابتان الحرتان واحدتهما لابة وهي الأرض الملبسة حجارة سودا، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما، ويقال لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات مشهورات، قاله النووي ‏(‏حرام‏)‏ قال القاري‏:‏ أي محترم ممنوع مما يقتضي إهانة الموضع المكرم وعند الشافعية الحرام بمعنى الحرم‏.‏

قلت‏:‏ قول الشافعية بأن المراد بالحرام هنا الحرم وهو المعتمد، يدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد وعبد الله بن زيد وأنس وأبي أيوب الخ‏)‏ أما حديث سعد وحديث عبد الله بن زيد فأخرجهما مسلم، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان وأما حديث أبي أيوب فأخرجه الطحاوي، وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه أحمد، وأما حديث رافع بن خديج وجابر وسهل بن حنيف فأخرجهما مسلم، وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها العيني في شرح البخاري في باب حرم المدينة في أواخر الحج‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏طلع له أحد‏)‏ أي ظهر ‏(‏هذا حبل يحبنا‏)‏ قال النووي‏:‏ الصحيح المختار أن معناه أن أحداً يحبنا حقيقة جعل الله تعالى فيه تمييزاً يحب به كما قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وإن منها لما يهبط من خشية الله‏}‏ وكما حن الجذع اليابس، وكما سبح الحصى، وكما في الحجر بثوب موسى صلى الله عليه وسلم، قال وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه، واختاره المحققون في معنى الحديث‏:‏ وإن أحداً يحبنا حقيقة وقيل المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه انتهى ‏(‏إن إبراهيم حرم مكة‏)‏ نسبة التحريم إلى إبراهيم باعتبار دعائه وسؤاله ذلك فلا ينافي ما ورد أن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ‏(‏وإني أحرم ما بين لابتيها‏)‏ معناه اللابتان وما بينهما، والمراد تحريم المدينة ولابتيها قاله النووي‏.‏

واحتج بهذا الحديث وما في معناه محمد بن أبي ذئب والزهري والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وقالوا المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافاً لابن أبي ذئب فإنه قال‏:‏ يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي‏:‏ وقال في القديم‏:‏ من اصطاد في المدينة صيداً أخذ سلبه، ويروي فيه أثراً عن سعد، وقال في الجديد بخلافه‏.‏

وقال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد‏:‏ ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها، كذا في شرح البخاري للعيني‏.‏

واحتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير‏:‏ ما فعل النفير‏؟‏ وقال لو كان صيدها حراماً ما جاز حبس الطير‏.‏

وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل، قال أحمد‏:‏ من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور لكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم‏.‏

واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد ولو كان قطع شجرها حراماً ما فعله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر كما يدل عليه حديث أنس يقول‏:‏ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أخدمه، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً وبدا له أحد قال‏:‏ ‏"‏هذا جبل يحبنا ونحبه‏"‏، ثم أشار بيده إلى المدينة، قال‏:‏ ‏"‏اللهم إني أحرم ما بين لابتيها كتحريم إبراهيم مكة، اللهم بارك في صاعنا ومدنا‏"‏‏.‏ رواه البخاري في باب فضل الخدمة في الغزو‏.‏

وقال الطحاوي‏:‏ يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها كما روى ابن عمر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة زال ذلك‏.‏

وما قاله ليس بواضح لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل وقد ثبت على الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم كذا في الفتح، والقول الراجح المعول عليه قول من قال أن المدينة حرماً كما أن لمكة حرماً يدل عليه أحاديث كثيرة صحيحة صريحة وهو قول الجمهور‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الحسين بن حريث‏)‏ المروزي ‏(‏أخبرنا الفضل بن موسى‏)‏ السيناني ‏(‏عن عيسى بن عبيد‏)‏ الكندي المروزي ‏(‏عن غيلان بن عبد الله العامري‏)‏ لين من السابعة ‏(‏عن جرير بن عبد الله‏)‏ البجلي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أي هؤلاء الثلاثة‏)‏ منصوب على الظرفية لقوله ‏(‏نزلت‏)‏ أي للإقامة بها والاستيطان فيها ‏(‏المدينة‏)‏ بالجر على البدلية من الثلاثة ‏(‏أو البحرين‏)‏ موضع بين بصرة وعمان وقيل بلاد معروفة باليمن، وقال الطيبي جزيرة ببحر عمان ‏(‏أو قنسرين‏)‏ بكسر القاف وفتح النون الأولى المشددة ويكسر بلد بالشام وهو غير منصرف، قال القاري هذا الحديث مشكل فإن التي رآها وهو بمكة أنها دار هجرته وأمر بالهجرة إليها هي المدينة كما في الأحاديث التي أصح من هذا وقد يجمع بأنه أوحي إليه بالتخيير بين تلك الثلاثة ثم عين له إحداها وهي أفضلها انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وفي حديث أبي موسى عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وعلى أنها اليمامة أو حجر فإذا هي المدينة يثرب‏"‏ قاله الحافظ، ووقع عند البيهقي من حديث صهيب رفعه‏:‏ ‏"‏أريت دار هجرتكم سخية بين ظهراني حرتين فإما أن تكون هجراً أو يثرب‏"‏ ولم يذكر اليمامة، وللترمذي من حديث جرير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله تعالى أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت‏"‏ فذكر الحديث ثم قال استغربه الترمذي وفي ثبوته نظر‏.‏ لأنه مخالف لما في الصحيح من ذكر اليمامة‏.‏ لأن قنسرين من أرض الشام من جهة حلب بخلاف اليمامة فإنها إلى جهة اليمن إلا أن حمل على اختلاف المأخذ فإن الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أريها والثاني يخير بالوحي فيحتمل أن يكون أرى أولاً ثم خير ثانياً فاختار المدينة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة غيلان بن عبد الله العامري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال روى عن أبي زرعة عن جرير حديثاً منكراً وأخرجه الترمذي، وقال غريب‏:‏ انتهى ‏(‏لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى تفرد به أبو عامر‏)‏ كذا في النسخ الموجودة تفرد به أبو عامر والظاهر عندي أن يكون تفرد به أبو عمار وهو كنية الحسين بن حريث وأما أبو عامر فليس هو كنية له ولا لأحد من رواة هذا الحديث‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً‏)‏ تقدم شرحه قريباً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه مسلم وغيره ‏(‏وصالح بن أبي صالح أخو سهيل بن أبي صالح‏)‏ أي صالح بن أبي صالح المذكور هو أخو سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان ثقة من الخامسة، قال في تهذيب التهذيب في ترجمته له في صحيح مسلم حديث واحد في فضل المدينة استغربه الترمذي وحسنه انتهى‏.‏